مجد الدين ابن الأثير

203

المختار من مناقب الأخيار

منها ؟ قلت : لا . قال : إذا كان غدا فالحقني في موضع كذا وكذا . فلما أصبحت صرت إلى الموضع الذي ذكره فوافيته ، فسار وأنا معه أتبعه حتى دخلنا الكوفة ، ثم خرجنا إلى البادية ، فلما كان بعد ثلاثة أيام التفت إليّ وقال : يا بحرانيّ ، قد أثّر فيك الجوع ؟ اجلس فاسترح . فجلست فاسترحت إلى النوم ثم انتبهت فإذا بفخذ غزال مشويّ سخن ، فقال لي : كل . فأكلت ولم يأكل منه شيئا ؛ ثم سرنا ثلاثة أيام أخرى ، فقال لي يوم السادس : يا بحراني ، قد أثّر فيك الجوع ؟ اجلس فاسترح . فاسترحت إلى النوم ، ثم انتبهت فإذا بين يدي إبراهيم مقدار رطلين رطبا حتى كأنّه لقّاط وقبة « 1 » ، فقال لي : كل . فأكلته ولم يذق منه شيئا . وسرنا ثلاثة أيام أخرى ، فلما كان اليوم العاشر إذا نحن بأعرابيّ قد أقبل من البادية راكب جمل يقود جنيبا « 2 » ، فلما قرب منّا سلّم على إبراهيم وبشّ به ورحّب به ، ونزل عن الجمل الذي كان راكبه ، وحمل عليه إبراهيم ، وركب هو النجيب « 3 » ، وأردفني خلفه وسار بنا حتى جئنا إلى بيوت لهم ، فجاء بطعام كثير ، وشوى لنا رأس غنم ، وسوّى لنا من التمر حلواء ، فلم يزل إبراهيم يأكل ويلقمني ويقول : استوف يا بحراني . وبتنا عنده تلك الليلة ، وخرجنا من الغد ، وخرج معنا الأعرابي بفضل الطعام الذي كان بقي عنده ، وسرنا حتى وصلنا إلى المرحلة فقدّم الأعرابيّ الطعام ، فأكلته أنا والأعرابي ولم يأكل منه إبراهيم شيئا ، حتى وصلنا إلى المدينة - أو قال : مكة - واللّه أعلم . ومن كلامه : كان يقول : أربع خصال عزيزة : عالم مستعمل لعلمه ، وعارف ينطق

--> ( 1 ) اللّقّاط : الذي يلقط السنابل إذا حصد الزرع ووخز الرّطب من العذق . والوقبة : النّقرة ، ومن الثريد : أنقوعته . اللسان ( لقط ، وقب ) . ( 2 ) الجنيب : الدابّة تقاد ولا تركب . معجم متن اللغة ( جنب ) . ( 3 ) كذا في الأصل ولعل الصواب : « الجنيب » .